صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

114

شرح أصول الكافي

ثم إن هذه الصّفة ، وهي الاحديّة التامة الخالصة عن شوب الكثرة ، كما توجب التنزّه عن الجنس والفصل والمادّة والصورة وعن الجسمية والمقدارية والابعاض والأعضاء والألوان وسائر الكيفيات الحسّية والانفعالية وكلّما يوجب قوة أو استعدادا أو امكانا ، كذلك يقتضي كل صفة كمالية من العلم التام والقدرة الكاملة والحياة السرمديّة والإرادة التامة والخير المحض والجود المطلق . فانّ من أمعن النظر وتأمل تأملا كافيا يظهر له ان الأحدية التامّة منبع الصفات الكمالية كلها ، ولولا مخافة الاطناب لبينت استلزامها لواحدة واحدة منها ، لكن اللبيب يدرك صحة ما ادعيناه . وقوله تعالى : اللَّهُ الصَّمَدُ ، قد مرّان الصمدية لها تفسيران : أحدهما ما لا جوف له والثاني السيد ، فمعناه على الأول سلبي وهو إشارة إلى نفي الماهية ، فان كل ما له ماهية له جوف وباطن وكان من جهة اعتبار ماهيته قابلا للعدم ، وكل ما لا جهة ولا اعتبار له الا الوجود المحض فهو غير قابل للعدم ، فواجب الوجود من كل جهة هو الصمد الحق ، وعلى التفسير الثاني يكون معنى إضافيا وهو كونه سيد الكل ، اي مبدأ الجميع ، فيكون من الصّفات الإضافية . وهاهنا وجه اخر وهو : ان الصمد في اللغة هو المصمد الذي لا جوف له ، وإذا استحال هذا في حقه تعالى فوجب حمله على الفرد المطلق اعني الواحد المنزه عن المثل والنظير ، اما ابتداء أو بعد حمله على معنى الأحدية المستلزمة للواحدية كما مرّ ، فيكون الصمد إشارة إلى نفي الشريك كما أن الاحد إشارة إلى نفي الانقسام ، فانظر كيف عرف أولا هويته وانيته ثم عرف انه تعالى خالق لهذا العالم ، ثم عرف ان الأمور التي لأجلها افتقر هذا العالم إلى الخالق كالتركيب والامكان والماهية والعموم والاشتراك والاحتياج ، لا بد وان يكون منفيا عنه تعالى لئلا يلزم الدور أو التسلسل . ثم لما كان من عادة المحققين ان يذكروا أولا ما هو الأصل والقاعدة ثم يخرجون عليه المسائل ، فذكروا أولا كونه موجودا إلها ثم توصل به إلى كونه صمدا ثم ترتّب عليه احكاما ثلاثة : أحدهما انه لم يلد لاستيجاب التوليد للتركيب ، لأنه عبارة عن انفصال بعض ناقص من ابعاضه ثم يترقى فيصير مساويا له في الذات والحقيقة ، ومن البيّن ان نقصان البعض